الحسين بن نصر ابن خميس
711
مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار
بعضه في فمي وأنا ألوكه ، ثمّ ذكرت العقد ، فرميت ما في يدي ، وبصقت ما في فمي ، وقلت : حانت المحنة ، ورميت التّرس والحربة ، وجلست في موضعي ، ويدي على رأسي . فما استقرّ بي جلوسي حتّى داروا بي فرسان ورجّالة كثيرة ، وقالوا لي : قم . فساقوني حتّى أخرجوني إلى السّاحل ، فإذا أمير بيّاس « 1 » ، وحوله جماعة على خيول ورجالة كثيرون « 2 » ، وبين يديه جماعة سودان حمّاسين « 3 » كانوا يقطعون الطّريق قبل ذلك اليوم في ذلك المكان ، فأسرى إليهم أمير بيّاس ، فكبسهم في السّحر ، وأخذ من كان منهم في الأكواخ ، وافترقت الخيل تطلب من هرب منهم في الغابة ، فوجدوني أسود ، ومعي سيف وترس وحربة ، فلمّا قدّمت إلى الأمير - وكان رجلا تركيا - قال لي : أيش أنت ؟ قلت : عبد من عبيد اللّه تعالى . فقال للسّودان : تعرفونه ؟ قالوا : لا . قال : بلى ، هو رئيسكم ، وإنّما تفدونه بأنفسكم ، لأقطعنّ أيديكم وأرجلكم ، قدّموهم . فلم يزل يقدّم رجلا رجلا ، ويقطع يده ورجله حتّى انتهى إلى آخرهم ، فقال لي : تقدّم مدّ يدك . فمددتها ، فقطعت ، ثمّ قال لي : مدّ رجلك . فمددتها ، ثمّ رفعت رأسي إلى السّماء وقلت : إلهي وسيّدي ، يدي جنت ، رجلي أيش عملت ؟ فإذا بفارس قد وقف على الحلقة ، ورمى بنفسه إلى الأرض ، وصاح : أيش تعملون ؟ تريدون تنطبق الخضراء على الغبراء ؟ هذا رجل صالح يعرف بأبي الخير المباحي . وكنت حينئذ أعرف بالمباحي . فرمى الأمير نفسه من فرسه ، وأخذ يدي المقطوعة من الأرض يقبّلها ، وتعلّق بي يبكي ، ويقول : سألتك
--> ( 1 ) بيّاس : مدينة شرقي أنطاكية ، وغربي المصيصة ، قريبة من جبل اللكام . معجم البلدان . ( 2 ) في ( أ ) جماعة خيول ورجالة كثيرة . ( 3 ) رجل حمس : شديد قوي صلب في القتال ، انظر القاموس . وفي ( أ ) : جماشين .